سيد محمد طنطاوي

253

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ولم يرتض الآلوسي ما قاله الأصم بل قال في الرد عليه : ولا يخفى أن هذه الشبه لا يليق إيرادها بقوانين الشريعة ، ولا بمن يعترف بأنه - سبحانه - قادر على ما يشاء فعال لما يريد ، فما كان يليق بالأصم إلا أن يكون أخرس عن ذلك . ثم قال الآلوسي فالواجب التسليم بكل ممكن جاء به النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وتفويض ذلك وكيفيته إلى اللَّه - تعالى - « 1 » . ونرى من كلام الآلوسي أنه يرجح الرأي القائل بأن الملائكة قد قاتلت مع المؤمنين في غزوة بدر . ونحن لا نرى مانعا من اشتراك الملائكة مع المؤمنين في بدر لأن النصوص الواردة عن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم صريحة في ذلك ، ولسنا مع الذين يضعفون من شأن الأحاديث الصحيحة أو يؤولونها تأويلا لا يتفق مع العقل السليم . ولقد سئل الإمام السبكي : ما الحكمة في قتال الملائكة مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه ؟ . فأجاب : بأن ذلك لإرادة أن يكون الفضل للنبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وأصحابه وتكون الملائكة مددا على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب التي أجراها - سبحانه - في عباده « 2 » . ثم تابع القرآن حديثه عن مظاهر فضل اللَّه عليهم ورعايته لهم فقال - تعالى - * ( وما جَعَلَه اللَّه إِلَّا بُشْرى لَكُمْ ، ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِه ) * . أي وما جعل اللَّه - تعالى - الإمداد الذي أمدكم به إلا بشارة لقلوبكم ، وتطمينا لنفوسكم فالضمير في * ( جَعَلَه ) * يعود إلى الإمداد المفهوم وهو الفاعلي المقدر المدلول عليه بقوله « أن يمدكم » فكأنه قيل : ألن يكفيكم إمداد اللَّه تعالى لكم بما ذكر ، وما جعل اللَّه - تعالى - ذلك الإمداد إلا بشرى لكم ، ولتسكن قلوبكم به فلا تخافوا كثرة العدو ، بل تقدمون عليه بعزائم ثابتة ، ونفوس قوية . وقوله * ( بُشْرى ) * مفعول لأجله . والاستثناء مفرغ من أعم العلل ، أي ما جعل اللَّه إمدادكم بإنزال الملائكة لشيء من الأشياء إلا للبشارة لكم بأنكم ستنتصرون على أعدائكم . وقوله * ( لِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِه ) * معطوف على * ( بُشْرى ) * باعتبار موضعه أي ما جعل إمدادكم إلا للبشرى والطمأنينة .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي بتصرف وتلخيص ج 4 ص 48 . ( 2 ) تفسير القاسمي ص 97 .